مدرسة الخارجة الاعدادية المشتركة

مدرسة الخارجة الاعدادية المشتركة أقدم مدارس الوادي الجديد و اهمها علي الاطلاق
مدرسة الخارجة الاعدادية المشتركة

الخارجة الاعدادية المشتركة بالوادى الجديد


    العدالة المطلقة أم الحرية المستديمة

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 297
    تاريخ التسجيل : 14/11/2011
    العمر : 82

    العدالة المطلقة أم الحرية المستديمة

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 16, 2012 10:30 pm



    بيتر كريغ Peter Krieg[2]

    ترجمة أ.د. سامر جميل رضوان[3]



    ما هي حقيقة المواجهة بين الأصولية الإسلامية و "الغرب"؟

    ما هي المبادئ وأنماط الحياة المهددة؟

    الإجابة عن هذين السؤالين يمكن استنتاجها من خلفية الصراع بين المجتمعات "المعيارية normative " و "المعرفية (الاستعرافية) Cognitive".



    يعد الصراع الراهن شكل من أشكال التواصل، ومن ثم فهو ككل أنواع التواصل الأخرى له خلفية Subtext، "لغة جسد"…..

    وكما هو الحال عند الأشخاص الذين يتواصلون بالانفعالات فإن لغة الجسد تتضح من خلال الادعاء بالكلمات عكس ما هو مرغوب، ومن ثم فإن الخلفية الكامنة تقودنا بشكل مباشر إلى الأسباب الأساسية المحركة.

    وتحتل في خلفية الصراع الراهن مفاهيم "الحرية" و "العدالة" مركزاً جوهرياً بالنسبة للمتناحرين.

    فعندما أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تطلق على حملتها العسكرية اسم "العدالة المطلقة" سرعان ما أدركت أن هذا المفهوم مملوك مسبقاً من الدين الذي تقف على الجانب الآخر منه. الأمر الذي دفعها إلى تغيير شعارها إلى المفهوم المركزي "الصحيح" "الحرية المستديمة"، وبهذا وجد كل جانب "صيحة معركته" الذي سيقاتل تحت لواءها.

    قامت غالبية الصراعات السياسية الحديثة تحت شعار الفئتين المفاهيميتين "الحرية" و "العدالة"، ومن هنا فإنه من المفيد إلقاء نظرة على هاتين الفئتين المفاهيميتين ومعانيهما العميقة.

    ويبدو أن دينامية العلاقة بين العدالة والحرية متجذرة بعمق في وعينا، هذا إذا لم تكن متجذرة بوصفها قطباً بيولوجياً في جيناتنا أصلاً.

    ويعبر قطب العدالة عن مشروطيتنا البيولوجية التطورية كمخلوقات اجتماعية. ويمكن أن تطلق عليها، أي العدالة، الفئة المعيارية normative ، حيث أنها تحدد قواعد الحياة الاجتماعية المشتركة والتوازن بين اهتمامات وأنماط تصرف الأفراد.

    العدالة عبارة عن فئة من الإنصاف (العدل) الاجتماعي (في الإنجليزية justice )، وهي تحدد ما هو السلوك "الصحيح" ومن ثم ما هو "عادل". ونتعلم هذه المعايير منذ الطفولة المبكرة من خلال تكييف سلوكنا مع المحيط الاجتماعي.

    ويعبر القطب التحرري عن الإمكانات الإجرائية للفرد. فمع تطور وعي "الأنا" ومن ثم الفرد (على ما يبدو منذ 2500 سنة تقريباً) احتلت هذه الفئة التي تتغذى بشكل خاص من الإمكانية المعرفية للإنسان بما في ذلك إدراكه لذاته، مركز تكوين الهوية باطراد متزايد. لقد تحول هذا القطب في الحضارة الغربية بشكل خاص إلى فئة سائدة و يحدِّد مجال تصرف الفرد ومن ثم حرية تصرفه، النابعة بشكل خاص من قدرته المعرفية ويستنبط باطراد الفئات المعيارية أيضاً.

    وترتبط كلا الفئتين مع بعضهما بدائرة تنظيم ضابطة (سبرانية Cybernetic). إنها لا توجد مستقلة عن بعضها بل ترتبط ببعضها وتؤثر على بعضها. لهذا تتعامل كل الثقافات مع كلا القطبين والفئتين ولكن من خلال تقويمات والتزامات و توقعات مختلفة جداً.

    وعليه فإن كل التصورات الدينية القديمة لم تمنح الآلهة صفة الحرية بدرجة كبيرة، وإنما العدالة. وكان على الإنسان أن يكافح من أجل الحصول على حريته من الآلهة، من آدم وحواء إلى بروميثيوس[4].

    غير أنه الناحية الفلسفية قد تم في الغرب وضع تفريق مهم منذ العصور القديمة التقليدية ومن ثم وضع حكم مهم، وذلك من خلال الفصل بين الموضوع والذات Object and Subject و الفصل بين الفرد والمحيط، و وبرهنت قابليتهما "الموضوعية" للمعرفة (للفهم). وهذه القابلية للمعرفة (للفهم) التي تتضمن كذلك "الحقيقة الموضوعية" كانت وما زالت المحرك الموضوعي الذي يدفع المعرفة والعلم في الغرب. ومؤخراً عللت أولوية الطموح نحو المعرفة الذاتية و الحرية الفردية المطلقة على الارتباط الاجتماعي بالمعايير التقليدية "للعدالة" بشكل مطلق وعلى الترتيب الإلهي للعالم.

    وحتى الكاثوليكية نفسها التي قدست لزمن طويل غلبة الفئات المعيارية ضمن الثقافات المسيحية انضمت أخيراً للعلم باعتباره قمة القطب المعرفي (الاستعرافي). وقد تم ذلك تحت ضغط البروتستانتية بشكل خاص التي أنجزت من الناحية اللاهوتية في حركة الإصلاح الديني هذا التبدل في النموذج. ويتضح هذا التبدل بصورة خاصة في النهضة الأوروبية وفي السياسة، حيث حدث تحرر تدريجي من التشريعات المعيارية normative Legitimating (المواريث والقوانين البابوية) من خلال الانتخابات العامة و التشريعات البرلمانية. أو في قانون العقوبات: ففي المجتمعات ذات السيطرة المعيارية توجه العقوبات نحو التعويض الاجتماعي. إذ يتم احتقار الفاعل من الناحية الاجتماعية وعليه تعويض الضحية أو أسرته وفي الحالات المتطرفة يتعرض للقتل أو للطرد من الجماعة. فالعقوبة لا تتألف من فقدان الحرية وإنما من فقدان الرابطة الاجتماعية. ومع التحول نحو سيطرة الهوية المعرفية أُعيد تعريف العقوبة من جديد باعتبارها فقدان "للحرية". فكان فقدان الحرية الشخصية أكبر وأمَّر خسارة يعانيها الفرد المحكوم. ومن هذه النقطة بالتحديد بدأ التاريخ الفعلي للسجون باعتبارها مؤسسة.



    في ثقافات وحضارات الشرق، وكذلك في الجماعات الدينية الغربية ذات السيادة المعيارية من الناحية التقليدية (على نحو الأميشيين Amische) لم يحدث تبديل للقطبية أو أنه يحدث ببطء أو بصورة انتقائية. ففي هذه الثقافات ما زالت الحرية، وبصورة خاصة الحرية الفردية، عاقبة نتيجة تالية للعدالة، ويتم قبولها أو تحملها طالما لم تضع التوازن والتماسك الاجتماعي موضع الشك.

    لقد نشأ الإسلام بالأصل كحركة عقيدة وتوحيد صارمة للمجتمعات الصحراوية العربية بمعايير اجتماعية محددة وملزِمة. وباعتباره دين عقيدة و وحي فإن الإسلام متأثر بشدة بالتصورات العبرانية والمسيحية و واليونانية، والفارسية والشرقية. فمن التوحيد الغربي monotheism نشأ بصورة واضحة الاعتقاد بالحقيقة الوحيدة للتصورات الإيمانية الخاصة.

    وعلى الرغم من التيارات التحررية (الصوفية) و فترات الانفتاح –لنتذكر على سبيل المثال إنقاذ العلوم الأرسطوطالية من خلال الإسلام الإيراني أو التأثير الذي أشع بنوره عبر المتغيرة المنفتحة للإسلام انطلاقاً من إسبانيا إلى أوروبا كلها- إلا أنه لم يستطع تحقيق "دنيوية secularism" واضحة في شكل فصل الدين عن السياسة (باستثناء تركيا).



    حتى اليوم لم يتم قيام جناح معرفي (استعرافيcognitive)- إصلاحي قوي كفاية أو حتى مسيطر، يستطيع إيجاد المصالحة على الأقل بين الفردانية والمجتمع، أي بين الحرية والعدالة و تحقيقها سياسياً. لهذا تشعر المجتمعات ذات الصبغة الإسلامية بأنها مهددة بشكل خاص ومنقسمة من خلال اقتحام الثقافة الغربية التي تمارس بكل تقنيتها الراهنة و اتصالاتها المفتوحة و حريتها وديناميكيتها جذباً هائلاً نحو الجانب الفردي المعرفي على المجتمع الإسلامي المعياري "الموثق".

    بالإضافة إلى ذلك ينبثق من المجتمعات الإسلامية صدع عميق بين الأساس الثقافي الاجتماعي المعياري وبين نمط الحياة الفردي-المعرفي. فالأصولية الإسلامية تمثل ردة فعل على جزء من هذه المجتمعات. إنها تعتبر نفسها جهاداً دفاعياً ضد هذا الجذب وتدعي بأنها وحدها تمتلك كل صفات الجهاد العادل أو الحرب المقدسة.

    أما النتيجة الحتمية لهذا الكبح المعرفي فتتمثل في الركود العلمي والتقني. وعلى عكس كثير من المجتمعات ذات الصبغة البوذية أو الهندوسية و المجتمعات الذارائعية من الناحية المعيارية لم تستطع المجتمعات الإسلامية اللحاق بالعلوم والتقانة الغربية الحديثة. وقد قاد هذا التخلف من ناحيته إلى رفع حدة مشاعر النقص والاستياء. ولكن بما أن التقنية والتصنيع تعد القوى المحركة في الاقتصاد المعولم فإن هذه المجتمعات تظل أيضاً عاجزة عن المنافسة الاقتصادية و تنتج جماهير غفيرة من العاطلين عن العمل، أي حالة جديدة من الظلم (اللاعدالة). وهذا الجيش من العاطلين الشبان يمثل الطاقة الكامنة للتغيرات المصبوغة بالعنف. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة بالدوران بسرعة.

    في ثقافتنا نحن يشير النقاش الراهن حول تقنية الجينات وإمكانات التدخل في الجين البشري إلى أنه حتى للمجتمعات المعرفية جانب معياري، وأن هذه المجتمعات تحتاج إلى هذا الجانب أيضاً. ففي حين أن القسم الأكبر من العلماء يبررون انطلاقاً من وجهة نظر معرفية و ينادون بملائمة المعايير بالمعرفة الاستعرافية للعلم، يقف المحافظون والكنسيون من وجهة نظر معيارية ضد هذا الأمر ويطالبون من ناحيتهم بتقييد الحرية الإجرائية للعلماء.

    كما أن المجتمعات الحديثة تعد مجتمعات محافظة بحق، ذلك أنها تشكل قيمتها الذاتية في التواصل المعياري وتحافظ عليه وتمثل من خلال "نشاطها" المعياري قطباً مقابلاً مهماً للتغيرات المعرفية السريعة. لهذا فإن كل نظام قانوني حديث عبارة عن نظام معياري ثابت و في الوقت نفسه نظام معرفي منفتح مع إنتاج برلماني مستمر للقوانين.

    من الناحية النفسية فإن الفئة المعيارية بتجذرها الشديد في الاجتماعي تعد مكان انسحاب. فالعدالة في النهاية عبارة عن شعور: أي حالة نفسية من الأمن والاطمئنان والانضواء في شبكة اجتماعية ينتمي إليها لفرد ويحظى عبر حقوقه وواجباته بهويته ذات المعنى ووظيفته. وهذا ما تحققه المجموعات والمجتمعات ذات التماسك الشديد، التي قد تبدو من الخارج ذات تماسك قمعي، من خلال نظام (كتاب قواعد) طقوسي ومعقد وفتاوى مناسبة أو أشخاص مرجعيون. إنها تعبير عن "التاريخ الطبيعي" لهذا الترتيب و المصحح لاحتمالية وعي الأنا المضاد للمجتمع.

    لهذا لا يقود السقوط أو الخروج من المجموعة للنمو الفردي بشكل آلي، ,إنما على الأغلب من خلال الارتباط بمجموعة أخرى ذات بنية شبيهة.

    ونتمثل المشكلة النفسية الأساسية بشكل خاص في الميزان المعرفي-المعياري: ففي المجتمعات والمجموعات التي يسود فيها النمط المعياري normative لا يوجد نمو واضح للفردية ذلك أن الفردية غير مطلوبة، بل أنها أقرب لأن تكون مقموعة. وفي الثقافات والمجتمعات التي يسود فيها النمط المعرفي يشعر الأشخاص الذين نشئوا على المعيارية بالتهديد والنقص، إذ أن قدرتهم الإجرائية مقيدة بالظروف المعيارية

    بالمقابل فإن الفرد في الثقافات والمجتمعات التي يسود فيها النمط المعرفي عبارة عن "فردانيIndividualist " ، على الأقل في تقديره لذاته، وباعتباره كذلك فهو ليس مسؤولاً إلا عن نفسه فقط. ومن هنا فهو يشعر بأنه "حر" في قراراته و في تصرفاته وتفكيره.

    وكثير من الدراسات النفسية على المجموعات و الدراسات النفسية التاريخية على المجتمعات الإسلامية الحديثة تشير إلى وجود مشاعر سلبية تمتد من نقص الثقة بالنفس وصولاً إلى مركبات الشعور بالنقص. وعلى ما يبدو فإن نضاليتها (قتاليتها (militancy التي يغلب عليها الصبغة الكلامية (الخطابية) و التي تتم ممارستها فعلياً في بعض الأحيان،قد تكون محاولة للتغلب على مشاعر النقص هذه.

    ولا يستطيع المتعصبون الإسلاميون النظر للفردانية الواضحة للغرب إلا على أنها تمثل تهديداً لهويتهم ومن ثم تهديداً لقوتهم، المصهورة في قوالب معيارية normative Criteria بشكل خاص.

    وعن ذلك يمكن استنتاج دافع نفسي آخر: فبعد أن نعاني من الإهانة والإساءة والهزيمة ننسحب في العادة لننضوي تحت حماية الشبكة الاجتماعية وأمنها المعياري. وحتى الشخص الفرداني لا يمثل استثناء من ذلك. فحتى الملحدون يبدءون في غالبيتهم في الظروف الحدودية المهددة للحياة بالدعاء والصلاة، أي أنهم يبحثون عن الحماية والأمن في فئات معيارية "مطلقة absolute". لهذا السبب يكون الأشخاص الذين لا يرون في مجتمعاتهم أية إمكانية للتطور وأي أمل بالمستقبل، إما لأنهم معزولون اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، أكثر ميلاً لتصديق وعود المجتمعات والحركات المعيارية بالعدالة. فحيث تكون العدالة مطلوبة فيمكن للمرء أن يستنتج بأن حركة ذات دوافع معيارية على الطريق.



    كيف يمكن تحقيق التوازن بين العدالة و الحرية؟



    بالمقابل وحيث تكون الحرية مطلوبة تكون حركة ذات توجهات معيارية على الطريق، تحاول تحرير نفسها من القيود المعيارية. وعلى هذا النحو يمكن كذلك تفسير السمة الثقافية لأمريكا بوصفها البلد الذي يعد كل أولئك الذين تركوا بلدانهم من أجل تحطيم القيود الاقتصادية أو السياسية أو الدينية-أي المعيارية- بالحصول على ملجأ فيه. لقد تحول تمثال الحرية إلى شعار لها، والحرية إلى كناية عن الطريقة الأمريكية في الحياة American Way of Life. إلا أنه بهذا تحولت أمريكا أيضاً إلى رمز سلبي لكل المجتمعات و المجموعات المعيارية - وهي عملية Process تلاحظ حتى في أميركا نفسها بصورة يصعب فهمها كلية.

    على المدى البعيد ليس لدينا إمكانية لحل الصراع بين القطب المعياري والقطب التحرري لهويتنا باتجاه أحد الجانبين. ما زلنا كلا القطبين. و لا يمكن للسؤال إلا وأن يكون: كيف نعرِّف أنفسنا كأفراد وكمجموعة؟ هل نرتب الجانب المعياري هرمياً تحت الجانب المعرفي أم العكس؟ أم هل هناك إمكانية ذرائعية و تكاملية غير هرمية للتعامل مع الأقطاب؟ فمن وجهة النظر المعرفية ليس لنا أي مبرر "موضوعي" لندعي أولوية القطب المعرفي على القطب المعياري. فثقافتنا الغربية التي يسود فيها النمط المعياري لا يمكن تبرير شرعيتها بأي شكل من الأشكال استناداً إلى حجج طبيعية أو تطورية بوصفها "الحقيقة المعيارية". إنها لا يمكن أن تبرر شرعيتها إلا من خلال اختيارنا لها و من خلال تحملنا لمسؤولية هذا الاختيار. والشيء نفسه ينطبق على الثقافات التي يسود فيها النمط المعياري، حتى وإن كانت مرجعيتها تقوم على حقائق معيارية في هيئة إلهية أو في سلطة طبيعية.

    لقد شكلت الاشتراكية كنظرية محاولة للفلسفة الأوربية الحديثة والنظرية السياسية للمصالحة بين القطبين. فتصور المجتمع الماركسي كان يهدف من جهة إلى إرساء قواعد متطورة من الناحية المعيارية، وقواعد متطورة من الناحية المعرفية في الميدان العلمي، ومن ناحية أخرى وعدت بتوجه استعرافي تحرري للفرد. وماركس نفسه كان يغلب عليه النمط المعرفي بوضوح. إلا أن تطبيق نظريته في "الاشتراكية العلمية" (وهو مفهوم يربط بين المعايير المعيارية والمعرفية) في روسيا الشيوعية تم ضمن علائم مجتمع تغلب فيه المعيارية. وسرعان ما اتضح بأن تحديث البنى المعيارية المتجمدة لا يمكن أن ينجح كلية دون إطلاق الإمكانات المعرفية إلى أبعد مدى. ففي المنافسات الاقتصادية العالمية ظهر أن النموذج السوفيتي أقل قدرة على المنافسة الاقتصادية. أما الرأسمالية ذات التوجه المعرفي-التحرري فقد عرفت بشكل أفضل إلى مدى بعيد كيفية حشد الإمكانات الفردية من خلال الحريات الفردية، بالإضافة إلى أنه تعلمت كيفية تخفيض أعراض الإفقار الناجم عن فقدان الظروف المعيارية التقليدية و تخفيض الطموح غير المحدود للربح من الناحية المعيارية. ويعبر مفهوم الاقتصاد الاجتماعي الحرsocial free market " عن المحاولات الناجحة لمصالحة الحرية والعدالة في نظام سياسي ذو صبغة معرفية (استعرافية). لقد جعلت المرونة الإجرائية الرأسمالية أكثر قدرة على الإنجاز إلى درجة أصبح فيها انهيار "حلف العدالة" المتبلد-مركزياً و غير الجذاب مسالة وقت لا أكثر.

    يركز النموذج الثقافي للغرب و غالبية البلدان الصناعية على أولوية الفئات المعرفية بوضوح. وتعني هذه الأولوية أننا نتأمل أيضاً الفئات المعيارية من خلال نظارة الفئات المعرفية ونوجه معاييرنا الاجتماعية وفقاً لذلك. ومن الممكن أن ننظر لهذا الأمر من منظور نقدي باعتباره فقدان للقيم التقليدية و للجماعية و للتعاطف الاجتماعي. وتتميز مجتمعاتنا في الواقع بفقدانها لهذا بوضوح: فمع نقص الإرجاعات الاجتماعية عند تشكل المعايير يتم دمج الحرية الفردية بشكل متزايد مع الحرية الإجرائية لاقتصاد الخصخصة، أي تحدث عملية تماهي بينهما (الطموح الشديد نحو إمكانية الربح وتحقيق الإنجازات المادية)، وينخفض دور الدولة بوصفها الحامي التقليدي والمصمم للمعايير الاجتماعية والخدمات، حتى أن الخدمات نفسها يتم التخلي عنها أو يتم خصخصتها. أما العدالة بوصفها توازن اجتماعي فقد تحولت لمؤسسة institutionalize وأصبحت مفوضة، ومن ثم مغفلة anonymize و مؤتمتة. وتذوب الشبكة الاجتماعية و التضامن الحي في مجتمع الخدمات التجاري. إننا نشعر بأن مثل هذا المجتمع أكثر برودة وأكثر غموضاً وآلية ونشكو باطراد من فقدان الإنسانية. إلا أنه بما أننا نجد التوازن في الفردانية وإمكاناتها التصرفية الموسعة، فإننا نواسي أنفسنا بهذا أو نعزو فقدان مشاعرنا الخاصة بالخسارة إلى صراع جديد للأجيال، نقع نحن أنفسنا ضحيته. إلا أنه من ناحية أخرى تطور مجتمعاتنا استراتيجيات لترسيخ قيم معيارية أساسية على نحو المسؤولية الفردية في الفرد وفي المنظمات و في الاستثمارات الاقتصادية الخاصة (بوصفها "أخلاق الاستثمار"). إننا في حالة انقلاب تخترع فيها المجتمعات ذات السيادة المعرفية قوانين مرور وأشكال منظمات معيارية ملائمة.

    أما المجتمعات ذات الصبغة المعيارية فلا تقدم لأفرادها ذوي التوجه المعرفي أي نوع من أنواع التوازن البسيط للفردية والتحرر الشخصيين. إن التوجه الاستهلاكي و تبدل نمط الحياة للطبقة العليا والمتوسطة من المسلمين العرب يتم تفسيره من المسلمين المتشددين على أنه ردة عن الثقافة الخاصة، حتى عندما يعتبر المعنيون أنفسهم مسلمون ملتزمون وأتقياء. وعلى هذا النحو لا يتحدث الأصوليون الإسلاميون إلا باحتقار شديد عن أخوتهم في الدين العرب شيوخ النفط، ويتهمونهم بالكفر والفساد و النفاق.

    وبما أن التفسير الراهن السائد للإسلام لا يتيح إدخال أي تلاؤم استعرافي لمعاييره، فإن مشكلة التحول الثقافي داخل كثير من البلدان ذات الصبغة الإسلامية أكثر حدة، لأنها من الناحية الثقافية أكثر وضوحاً مما هو الحال بين المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية. ويتضح ذلك من خلال مثال حول المرأة: فالمرأة في بعض البلدان الخليجية من الطبقة المتوسطة والعليا والتي لا يجوز لها الخروج من المنزل إلا وهي منقبة (كرمز معياري صارم) تمنع في الوقت نفسه من قيادة السيارة (رمز استعرافي شديد) ، إلا أنه من ناحية أخرى يتم إرسالها للمدارس الأوروبية والأمريكية، ومن ثم فهي مجبرة على أن تعيش حياة مزدوجة: فبمجرد أن يتم إغلاق أبواب الطائرات باتجاه أوروبا سرعان ما يتم إسقاط الاحجبة لتتراءى من خلفها فراشات ملونة في زينة أوروبية. هذه المجموعات المنقسمة ثقافياً التي تمثل في كل الحكومات الإسلامية تقريباً الطبقة العليا بل وحتى تمثل الحكومات نفسها تشعر أكثريتها بالتهديد من قبل الهجوم المعياري للأصوليين. لهذا كانت ردة الفعل على اعتداءات 11 سبتمبر متناقضة. وهنا فإن التهديد ليس موجهاً للحكومات ذات التوجه الغربي على نحو دول الخليج وحدها فحسب وإنما أيضاً للحكومات ذات التوجهات الاشتراكية بالأصل على نحو مصر وسوريا والعراق التي تتحالف مرة مع التيارات الإسلامية (ضد إسرائيل و "الغرب") ومرة تواجهها بضراوة شديدة (على نحو سوريا والعراق).



    ويعد التصالح أو حتى التقارب بين الثقافات ذات الغلبة المعيارية و المعرفية شرطاً لتحقيق السلام الدائم، سواء داخل الثقافات أم بينها. ولا يمكن لمثل هذا التقارب بأي شكل من الأشكال أن يتألف من إقناع الآخر بحسنات التوجه الخاص أو بإجباره على ذلك. يمكننا أن نرى بوضوح بأن كلا التوجهين في إحاديتهما المطلقة لن يكونا متناغمين ولا قادرين على البقاء. ما يجب فعله هو تطوير علاقة تبادلية بين الاتجاهات المعيارية والمعرفية. علينا أن نتعلم الربط بين الحرية والعدالة.

    ولعل الانفتاح التواصلي في ظل العولمة يتيح لنا مثل هذه الفرصة على الرغم من كل شيء. إلا أنه طالما اعتبرت العولمة كحركة لإقحام الحرية الغربية والمالية، أي تحت راية السيطرة المعرفية الانتقائية ومورست بهذا الشكل فستظل لا تثمر إلا الظلم وستنتج "أضراراً مصاحبة" (أعراضاً جانبية)- ولهذا يتم فهمها من مناهضيها وضحاياها على أنها حركة ضد العدالة و مكافحتها طبقاً لذلك.

    علينا أن نتعلم طريقاً جديداً لا توجد له حتى الآن أية مُثل ثقافية، ألا وهو الربط بين معاييرنا المعرفية المقبولة و معايير العدالة المعيارية على نفس الدرجة من التساوي، ودمجهما معاً. من المؤكد أنه لا توجد بالنسبة لنا نحن في الغرب أية عودة خلف مفهوم الحرية الفردية لحقوق الإنسان الحديثة، إلا أنه كذلك لا توجد بالنسبة لكثير من المجتمعات غير الغربية أية عودة عن عدالة مجتمعات متوازنة ومستقرة اجتماعياً. كلاهما يستطيعان التعلم من بعضهما شيئاً جديداً، إيجاد المفقود من كل جانب و تحديد و ما يجب إيجاده. وعلينا أن نتعلم بأن العولمة تحقق مجتمعاً عاماً وحيداً له وجوه ثقافية عديدة. وحتى السياسة الاجتماعية تتحول بهذا إلى سياسة اجتماعية عامة، فالفقراء والأميون والجائعون هم فقراؤنا وأميونا وجائعونا نحن. والعولمة أيضاً هي تقاسم فرص التعليم و العمل والحريات والعدالة. فكما أن المجتمعات الصناعية الحديثة لن يكن قريباً بمقدورها احتمال وجود مناطق بؤس متخلفة، لن يكن كذلك بمقدور مجتمع العالم المعولم أن يتحمل وجود الجياع والقهر الاجتماعي و الدكتاتوريات.


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:43 pm