مدرسة الخارجة الاعدادية المشتركة

مدرسة الخارجة الاعدادية المشتركة أقدم مدارس الوادي الجديد و اهمها علي الاطلاق
مدرسة الخارجة الاعدادية المشتركة

الخارجة الاعدادية المشتركة بالوادى الجديد


    مراقبة بطاريق في القطب الشمالي!!

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 297
    تاريخ التسجيل : 14/11/2011
    العمر : 82

    مراقبة بطاريق في القطب الشمالي!!

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 11, 2012 5:10 pm


    بقلم : رحمة العتيبي
    هذه الأسوار العالية، المصمتة، المغلق ما قصُر منها بصفائح من حديد، ماذا وراءها من حياة؟
    منذ الطفولة وأنا لا أعرف - في هذا التوقيت - إلا هذه الأسوار..
    ترى ماذا يوجد خارج هذه الأسوار؟ وكيف هو شكل الحياة ولونها وطعمها، في الضفة الأخرى من العالم؟
    أنا وغيري- ممن انخرط في سلك التعليم - تفتحت أعيننا على جدران الفصول، وساحة المدرسة وجرس الحصة.أمضينا رحلة طويلة في ذات الطقوس بلا اختلاف يذكر، سوى ما منحته الجامعة من تمايز قليل - وتخرجنا لنعود لذات المكان.
    نفس الجدران، نفس الأسوار العالية، وذات البوابات المغلقة، عين الطاولات والمقاعد، وبلا أدنى مبالغة نفس الكتب والمقررات الدراسية، درستها طالبة وها أنا أُدَرّسها معلمة !
    منحى تكراري أخذته حياتي، الحدث الرئيس فيه هو المدرسة. ومع فقدان دهشة التعيين، وحماس الوظيفة، ومتعة اكتشاف الأمور من منظور آخر «بصفة معلمة»، عاد كل شيء رماديًا باهتًا فقد ألوانه المبهجة.كما ثوب ملون مزده مقلد، غُسل مرة وحيدة فاستحال رماديًا خلقًا.
    المدرسة هي أولى من أخلع عليها لقب: (مملكة الروتين) و(إمبراطورة الملل) وهي أجدر من ألبسها تاج السآمة، لا تختلف النظرة وإن اختلف المنظار، بين الطالبة والمعلمة...
    مدارسنا - مدارس البنات - أمكنة لا روح فيها ولا حياة..جدران صماء باردة.. غرف مربعة متشابهة.. ساحات مقفرة من أي مظهر يوحي بالبهجة أو يشي بالتفاؤل.. اختراع قديم، تاهت عنه يد التحديث.. أو هو يأبى ويقطع أي يد تمتد إليه بالتحديث، كيد سارق.
    يزيدها التزمت الإداري، ألمًا على ألم، ويحد رعب المسؤولية، فرصها في الحياة، لتستحيل مكانًا باردًا موحشًا قفرًا من أي معنى جميل، أو أي فرصة حقيقية لبث الحياة..
    ها أنا وأنا أحاول ألا أكون مشاركة في هذه الجريمة - جريمة وأد الحياة- وأنا كذلك، ومحاولة أن أجمل صورتي كما - يفعل الزعماء قبيل الانتخابات ببضع خطابات وبضع وعود وبضع مشاركات للجماهير في أنشطتهم- ها أنا أحاول أن أهرب من ملل قاتل ألمحه في أعين الطالبات، وكنت دائمًا أرتدي نظارة شمسية معتمة جدًا، حتى أتعامى عن رؤيته وأحضر سدادات أذن حتى لا أسمع أنينه.
    ها أنا أحاول... وليس كرمًا مني بل استجابة لمطالبهن: أستاذة: نرجوك لا نريد أن نأخذ الدرس في الفصل؟
    أرد: طيب أين؟
    يقلن في الساحة!
    أقلبها في عقلي وأنا أتخيل منظري ومنظرهن، في ساحة لا تصلح لشيء من أغراض الحياة، إلا أن تكون ممرًا للعابرين... لا طاولات أو كراسي.. لا منظر جميل نتحلق حوله.. لا عشب لا خضرة... حوائط خرساء... وباحة أشبه ما تكون بباحة سجن..
    أرد بتساؤل: أين نجلس؟
    يقلن في الساحة على الأرض؟ ونحضر لك كرسيًا...
    رفضت مطلقًا هذا العرض البائس، الذي يحيلني دكتاتورًا مهووسًا، تجلس رعيته تحت قدميه.. حزنًا عليهن من برودة بلاط الفناء، وضنًا عليهن بسوء وضعية هذه الجلسة التي لا تليق بإنسان مكرم..
    بعض الإحباط يصيبهن، ولكن لم ييئسن يبادرن: طيب في المكتبة؟
    أجيبهن، وكأن هدفي أن أصيبهن في مقتل الفرح: لا تصلح المكتبة، لأن عددكن أكبر من كراسي المكتبة وحتى أصلًا لا يتسع المكان حتى مع وجود كراسي كافية !
    - طيب في المصلى! - لا المصلى للصلاة والمحاضرات، وأخشى أن تغضب المسؤولة عنه إذا علمت، ونحتاج إلى استئذان قبل ذلك..
    ومع كل خيار يطرحنه كنت أفاجئهن بأمور لا يعلمنها، ولا يستشعرنها، من منظوري أنا كمعلمة، لكنهن يرين في ذلك تزمتًا وتعنتًا، وتخوفًا وجبنًا لا مبرر له.
    وصلت إلى حل وسط..قلت: نأخذ الدرس بسرعة ثم سأنزلكن إلى الساحة لتقضين بقية وقت الحصة وأنا معكن!
    ببهجة، وافق الجميع...
    وفعلاً هذا ما حصل، ولكني فوجئت بعد انتهاء الحصة، بالمديرة تستدعيني وتوجه لي لومًا، على ما أحدثته الطالبات من إزعاج أثناء النزول والصعود، وتبكيتًا أكثر لعدم استئذاني الإدارة في هذه (الخطيئة)..!
    لم أناقشها بالطبع، لأن النقاش سيفتح جدل جرح واسع، في المفاضلة بين التربية والتعليم. لأنني مقتنعة أنني وإن خالفت نظام عملية التعليم- في رأيها - فقد عملت مع روح عملية التربية، التي لا يفقه لغتها الكثير. التربية التي أزهقنا روحها باهتمامنا بعملية التعليم، وقطعنا أوصالها ونحن ندوس عليها، جيئة وذهابًا لتلبية مطالب العملية التعليمية..
    العملية التربوية يتيمة بلا أب وأم يدافعون عنها، وبلا خطط مفصلة تتابعها، وبلا أهداف مكتوبة تنتظمها، وبلا قرارات تعلي شأنها، إنما هي مدمجة مع عملية التعليم، وتابع لها، حتى التهمت جسدها، فأصبحت روحًا بلا جسد وظلاً بلا أصل وتابعًا بلا أتباع..
    هذه العملية الحزينة، تطل برأسها على حياء، ومن يجرؤ ويترافع عنها يُقضى عليه، بالضربة القاضية الموجعة: التعاميم والأنظمة! تُركت للاجتهادات، وضُيعت في التفسيرات..! ولا بواكي لها..
    طبعًا هذا الجزء الذي لا تعلمه الطالبات، والسيناريو المعتم الخفي عن أبصارهن، وما يجري وراء الكواليس، لذا فلا ألومهن إذا رأين فيّ مشاركة في هذه الجريمة، جريمة وأد الحياة داخل جدران المدرسة.
    وكأن تلقي العلم ينبغي أن يكون قرينًا للتزمت والتعنت ورفيقًا لنقص الإمكانات، ومتلازمًا مع العجز الإداري، وتحجر النظام، النظام الذي يخبو كلما أردنا ويتضخم كوحش كلما أردنا أيضًا..
    لذا فأنا وبعد هذا المشوار الطويل بين أسوار المدرسة وداخل جدران الفصول - طالبة ومعلمة - أرنو إلى مكان آخر، أستكشف فيه حياة، بعيدًا عن السبورة والفصل والكتاب والمقرر، والأسئلة والاختبار، والمديرة والمشرفة، والنظام والروتين، والتعميم والتكليف، والسجلات والرصد، والريادة والنشاط، والفسحة والمناوبة والجرس والحصة...
    كل هذه الفسيفساء التي لا تصنع - في تعليم البنات- إلا السأم، والروتين القاتل، ولا ترسخ إلا شعورًا واحدًا هو بغض المدرسة. حتى أضحت المعادلة هكذا: مدرسة بلا متعة، تساوي، متعة بلا مدرسة.
    والآن لو عاد بي العمر واخترت مهنتي من جديد فلن أختار إلا أن أكون: مراقبة بطاريق في القطب الشمالي!![quote]

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:44 pm